محمد حسين هيكل

130

حياة محمد ( ص )

السيرة ، وإن كنت تجد فيها جميعا خلافا بزيادة أو نقص في بعض نواحيها . من ذلك مثلا ما روى ابن هشام على لسان النبيّ عليه السلام بعد أن لقي آدم في السماء الأولى أنه قال : « ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل ، وفي أيديهم قطع من نار كالأفهار « 1 » ، يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم . فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة مال اليتامى ظلما ، ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قطّ بسبيل آل فرعون يمرّون عليهم كالإبل المهيومة « 2 » حتى يعرضون على النار يطئونهم لا يقدرون على أن يتحوّلوا عن مكانهم ذلك . قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الرّبا . ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جانبه غثّ منتن ، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيّب . قلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء الذين يتركون ما أحل اللّه من النساء ويذهبون إلى ما حرّم اللّه عليهم منهن . ثم رأيت نساء معلّقات بثديّهن ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم . . . ثم دخل بي الجنة فرأيت فيها جارية لعساء ، فسألتها لمن أنت ؟ - وقد أعجبتني حين رأيتها - فقالت : لزيد بن حارثة . فبشّر بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم زيد بن حارثة » . وأنت واجد في غير ابن هشام من كتب السيرة وفي كتب التفسير أمورا أخرى غير هذه . ومن حق المؤرخ أن يسائل عن مبلغ التدقيق والتمحيص في أمر ذلك كله ، وما يمكن أن يسند منه إلى النبيّ بسند صحيح ؛ وما يمكن أن يكون من خيال المتصوّفة وغيرهم . وإذا لم يكن المجال ها هنا متسعا للحكم في ذلك أو لاستقصائه ، وإذا لم يكن هاهنا مجال القول في المعراج أو الإسراء أكانا بالجسم ، أم كان المعراج بالروح والإسراء بالجسم ، أم كان المعراج والإسراء جميعا بالروح ، فمما لا شك فيه أن لكل رأي من هذه الآراء سندا عند المتكلمين ، وأنه لا جناح على من يقول بواحد دون غيره من هذه الآراء . فمن شاء أن يرى أن الإسراء والمعراج كانا بالروح فله من السند ما قدّمنا وما تكرر في القرآن وعلى لسان الرسول : ( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) « 3 » ، وأن كتاب اللّه هو وحده معجزة محمد ، ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) « 4 » . ولصاحب هذا الرأي أكثر من غيره أن يسأل عن حكمة الإسراء والمعراج ما هي ؟ وهنا موضع الرأي الذي نريد أن نبديه ولا ندري أسبقنا إليه أم لم نسبق . الإسراء ووحدة الوجود ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الرّوحيّة معنى سام غاية السمو . معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون ، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخطب حظّ غير قليل . فهذا الروح القويّ قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها . لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيّا محدودا بحدود قوانا المحسّة والمدبّرة ، والعاقلة . تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد ، واجتمع الكون كله في روحه ، فوعاه منذ أزله إلى أبده ، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل بفضل من اللّه ومغفرة .

--> ( 1 ) الأفهار . جمع فهر ( بكسر فسكون ) وهو من الأحجار بما يملأ الكف . ( 2 ) المهيومة التي بها هيام ، وهو داء يأخذ الإبل في رؤسها مثل الجنون . ( 3 ) سورة الكهف آية 110 . ( 4 ) سورة النساء آية 48 .